فخر الدين الرازي
451
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
فهو قائم بما كلفه عارف بما أرضاه وما أسخطه ، فكان حال هذا أقرب إلى الصلاح من حال الأول ، وهذا مثل ضرب في غاية الحسن في تقبيح الشرك وتحسين التوحيد ، فإن قيل : هذا المثال لا ينطبق على عبادة الأصنام لأنها جمادات ، فليس بينها منازعة ولا مشاكسة ، قلنا إن عبدة الأصنام مختلفون منهم من يقول هذه الأصنام تماثيل الكواكب السبعة ، فهم في الحقيقة إنما يعبدون الكواكب السبعة ، ثم إن القوم يثبتون بين هذه الكواكب منازعة ومشاكسة ، ألا ترى أنهم يقولون زحل هو النحس الأعظم ، والمشتري هو السعد الأعظم ، ومنهم من يقول هذه الأصنام تماثيل الأرواح الفلكية ، والقائلون بهذا القول زعموا أن كل نوع من أنواع حوادث هذا العالم يتعلق بروح من الأرواح السماوية ، وحينئذ يحصل بين تلك الأرواح منازعة ومشاكسة ، وحينئذ يكون المثل مطابقا ، ومنهم من يقول هذه الأصنام تماثيل الأشخاص من العلماء والزهاد الذين مضوا ، فهم يعبدون هذه التماثيل لتصير أولئك الأشخاص من العلماء والزهاد شفعاء لهم عند اللّه ، والقائلون / بهذا القول تزعم كل طائفة منهم أن المحق هو ذلك الرجل الذي هو على دينه ، وأن من سواه مبطل ، وعلى هذا التقدير أيضا ينطبق المثال ، فثبت أن هذا المثال مطابق للمقصود . أما قوله تعالى : هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا فالتقدير هل يستويان صفة ، فقوله : مَثَلًا نصب على التمييز ، والمعنى هل تستوي صفتاهما وحالتاهما ، وإنما اقتصر في التمييز على الواحد لبيان الجنس وقرئ ( مثلين ) ، ثم قال : الْحَمْدُ لِلَّهِ والمعنى أنه لما بطل القول بإثبات الشركاء والأنداد ، وثبت أنه لا إله إلا هو الواحد الأحد الحق ، ثبت أن الحمد له لا لغيره ، ثم قال بعده : بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ أي لا يعلمون أن الحمد له لا لغيره ، وأن المستحق للعبادة هو اللّه لا غيره ، وقيل المراد أنه لما سبقت هذه الدلائل الظاهرة والبينات الباهرة ، قال : الحمد للّه على حصول هذه البيانات وظهور هذه البينات ، وإن كان أكثر الخلق لم يعرفوها ولم يقفوا عليها ، ولما تمم اللّه هذه البيانات قال : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ والمراد أن هؤلاء الأقوام وإن لم يلتفتوا إلى هذه الدلائل القاهرة بسبب استيلاء الحرص والحسد عليهم في الدنيا ، فلا تبال يا محمد بهذا فإنك ستموت وهم أيضا سيموتون ، ثم تحشرون يوم القيامة وتختصمون عند اللّه تعالى ، والعادل الحق يحكم بينكم فيوصل إلى كل واحد ما هو حقه ، وحينئذ يتميز المحق من المبطل ، والصديق من الزنديق ، فهذا هو المقصود من الآية ، وقوله تعالى : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ أي إنك وإياهم ، وإن كنتم أحياء فإنك وإياهم في أعداد الموتى ، لأن كل ما هو آت آت ، ثم بين تعالى نوعا آخر من قبائح أفعالهم ، وهو أنهم يكذبون ويضمون إليه أنهم يكذبون القائل المحق . أما أنهم يكذبون ، فهو أنهم أثبتوا للّه ولدا وشركاء . وأما أنهم مصرون على تكذيب الصادقين ، فلأنهم يكذبون محمدا صلى اللّه عليه وسلّم بعد قيام الدلالة القاطعة على كونه صادقا في ادعاء النبوة ، ثم أردفه بالوعيد فقال : أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ ومن الناس من تمسك بهذه الآية في تكفير المخالف من أهل القبلة ، وذلك لأن المخالف في المسائل القطعية كلها يكون كاذبا في قوله ، ويكون مكذبا للمذهب الذي هو الحق ، فوجب دخوله تحت هذا الوعيد . [ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 33 إلى 37 ] وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ( 33 ) لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ ( 34 ) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ ( 35 ) أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ ( 36 ) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَ لَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ ( 37 )